يناير 14, 2026

حرية التعبير بين الفلسفة القانونية والواقع

حرية التعبير بين الفلسفة القانونية والواقع: مقارنة بين الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا والمغرب والجزائر

تُعدّ حرية التعبير الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، غير أنّ ممارستها تختلف جذرياً من بلد لآخر تبعاً للفلسفة الدستورية، والتقاليد القانونية، والخيارات السياسية التي تُؤطّر المجال العام. وبينما تتجه بعض الدول إلى حماية واسعة لهذا الحق باعتباره أساساً لوجود مجتمع حر، تعتمد دول أخرى مقاربات أكثر تقييداً تجعل من حرية التعبير مجالاً محكوماً بالاستثناءات.

نماذج قانونية مختلفة… وفلسفات متباينة

تُبرز المقارنة بين الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا والمغرب والجزائر ثلاث عائلات قانونية كبرى الأنجلوساكسونية، والفرنكوفونية، والمغاربية وتكشف عن اختلافات عميقة في فهم حدود الحرية ومسؤولياتها.

الولايات المتحدة: حماية شبه مطلقة للكلمة

يقوم النظام الأمريكي على التعديل الأول للدستور، الذي يمنع الدولة من تقييد حرية التعبير إلا في حالات استثنائية ضيقة.

لا توجد وزارة إعلام، ولا تراخيص للصحف، ولا مجال لأي تدخل حكومي في المحتوى.

الصحافة تُنظَّم ذاتياً عبر جمعيات مهنية ومعايير أخلاقية داخلية، ما يجعلها من أكثر النماذج تحرراً في العالم.

فرنسا: حرية واسعة مع قيود محددة

يرتكز النظام الفرنسي على قانون 1881 المتعلق بحرية الطباعة والنشر، وهو من أكثر القوانين تحرراً في أوروبا، لكنه يفرض قيوداً واضحة على خطاب الكراهية والتشهير والتحريض.

لا توجد مؤسسة حكومية تشرف على المحتوى الصحفي، بل هيئات مهنية مستقلة تُنظّم الجوانب المهنية دون التدخل في الخط التحريري.

إنجلترا: تنظيم مستقل دون تدخل حكومي مباشر

رغم غياب دستور مكتوب، تُصان حرية التعبير عبر قانون حقوق الإنسان.

الصحافة تُدار ذاتياً، بينما تتولى هيئات مستقلة غير حكومية تنظيم الصحافة المكتوبة والبث السمعي البصري.

تتدخل الدولة فقط عبر القضاء أو قوانين مكافحة الإرهاب في حالات محدودة.

المغرب: تنظيم شبه رسمي للمجال الإعلامي

يعترف الدستور بحرية التعبير، لكن القوانين التنظيمية خاصة القانون الجنائي وقانون الصحافة تفرض قيوداً واسعة.

المجال الصحفي يُدار عبر مؤسسات رسمية مثل:

وزارة الاتصال رغم عدم تدخلها في التحرير

المجلس الوطني للصحافة (قبل حله)

مسطرة رسمية لمنح البطاقة المهنية

كما تُستخدم تهم فضفاضة في بعض القضايا، ما يجعل ممارسة حرية التعبير محاطة بقيود عملية رغم وجود ضمانات دستورية.

الجزائر: نموذج أكثر تشدداً

يُعدّ النظام الجزائري أكثر انغلاقاً، حيث الرقابة أشد والاعتقالات أكثر، في ظل طابع سياسي مركزي يجعل المجال الإعلامي محدوداً للغاية مقارنة بباقي دول المنطقة.

حرية التعبير… بين النصوص والواقع

تكشف المقارنة أن حرية التعبير ليست مجرد نصوص قانونية، بل انعكاس مباشر للفلسفة السياسية التي يتبناها كل نظام.

ففي الدول الغربية، ترسّخ التقاليد الديمقراطية تجعل من حرية الرأي حقاً غير قابل للمساس إلا في أضيق الحدود.

أما في المغرب والجزائر، فما تزال الممارسة محكومة بتوازنات سياسية وقانونية معقدة، تجعل من حرية التعبير مجالاً غير مستقر.

ورغم أن المغرب أكثر انفتاحاً من الجزائر من حيث التعددية الإعلامية وحيوية المجتمع المدني، فإن هذا التفوق النسبي لا يخفي حقيقة أساسية: المغرب ما يزال بعيداً عن مستوى الحريات الراسخة في الديمقراطيات الغربية، حيث لا يُستخدم القانون الجنائي لتأويلات تُضيّق على الصحفيين.

الرهان الحقيقي: بناء سلطة رابعة مستقلة

إن التجربة المغربية، رغم تطورها النسبي، ما تزال بحاجة إلى ترسيخ أعمق يضمن حماية فعلية لحرية التعبير، ويُبعد الممارسة الإعلامية عن منطق المتابعات والسجن، ويُقربها من المعايير الدولية التي تجعل من الكلمة الحرة ضمانة لاستمرار الدولة على أسس عادلة وشفافة.

فالتفوق الإقليمي خطوة مهمة، لكنه ليس غاية.

الرهان الأكبر هو بناء بيئة إعلامية حرة ومستقلة، قادرة على أداء دورها كسلطة رابعة، ودعم مسار ديمقراطي متين يشبه ما هو قائم في الديمقراطيات العريقة.