الحكاية لم تبدأ في ليلة النهاية، بل قبل ذلك بكثير.
فمنذ أن فاز المغرب بشرف تنظيم البطولة الإفريقية، تحركت الجهات التي يعرفها الجميع اليوم، تشكك في قدرة المملكة على إنجاح هذا الحدث الكروي القاري. قالوا إن الملاعب مجرد “ماكيطات”، وإن المغرب يستحيل أن يبني منشآت حسب معايير الكاف في ظرف سنتين.
لكن المغرب فعلها و بمعايير الفيفا، وبسرعة وجودة أبهرت العالم. وحين سقطت رهاناتهم، لجؤوا ـ بمعية دويلة “يالله قطر بها السقف” و أي سقف، سقف خيمة خليجية، اعتادت النفخ في الفتن ـ إلى حملات تشويه منظمة، موّلوها بسخاء لتفريخ جيوش من الذباب الإلكتروني، بعضه مدفوع بالحاجة وبعضه مدفوع بالكراهية.
ومع ذلك، سقطت المؤامرة الأولى قبل أن تبدأ، بعدما فضحهم إيلون ماسك بالاسم والدليل.
بدأ العرس الكروي، فأرسل الجار الشرقي مرتزقته لإفساده. ومع ذلك، استقبلهم المغاربة بكرمهم المعهود: آمناهم من خوف، أطعمناهم من جوع، قدمنا لهم التمر و الحليب و من كل التمرات التي يعرفون و التي لا يعرفون، فتحنا بيوتنا، ودفع كثير من المغاربة فواتير طعامهم في المقاهي والمطاعم.
لكن ما إن خسروا، حتى علقوا هزيمتهم علينا وعلى التحكيم ” طاحت الصمعة نعلقوا الحجام “، رغم أننا لم نواجههم أصلاً. وما إن عادوا من حيت أتوا حتى انقلبوا و عادوا إلى عادتهم القديمة: سبّ، شتم، إساءة، قدمونا قرباناً ل “الكابرانات”، آلهة معبدهم .
أما صحافة “الزيگو”، فطبقها اليومي لا يخلو من “المروك… ثم المروك، ثم المروك”.
ومن حيث لا ننتظر، خرج علينا المدرب الأصلع يهاجم الجماهير السوسية التي شجعته منذ البداية. تغاضينا عن تصرفاته، لكنه تمادى في الإساءة، حتى صار يختلق قصصاً عن “الناموس” ويصف فندق خمس نجوم بأنه “بانسيون”، وكأن الناس يفتحون النوافذ في عز برد الشتاء، أو كأن هذه الفنادق بلا تدفئة وتكييف مركزي. هدفه كان واضحاً: التشويش على عرسنا و ضرب السياحة المغربية التي تجاوزت نظيرتها في بلده.
وتواصلت المؤامرة مع فرق ربع النهاية ونصف النهاية، وصولاً إلى النهاية التي كشفت المستور.
فها هو مدرب الفريق الذي اعتبرناه “الأخ الأقرب” يتهمنا، ويشتكي تنقل فريقه على متن قطار هو أسرع من الطائرة إذا أخذنا بالاعتبار وقت الانتظار في المطارات، ويتحدث عن عدم تأمين فريقه “تركه للجماهير” رغم أنه هو من طالب المشجعين من أبناء بلده استقباله في المحطة.
ثم عاد ليشتكي من فندق خمس نجوم، وكأن البطولات الإفريقية السابقة كانت توفر لهم قصوراً فاخرة.
أما أكاديمية محمد السادس، فرفض التدريب فيها بحجة وجود “الخصم”، وكأنها صالون و غرفة نوم، وليست منشأة تمتد على عشرات الهكتارات بملاعب وفنادق منفصلة. غيرنا لهم الملعب و حتى الفندق … ولم يكفهم ذلك.
شكاوى، بكاء، تظلم… بلا توقف.
“لكن ذروة الانحدار تجلّت يوم المباراة، حين أمر المدرب لاعبيه بمغادرة الملعب بعد احتساب ضربة جزاء واضحة للجميع، مطبقاً تعليمات من يحركونه من وراء الستار، أولئك الذين ظهروا في سهرات صحافة مخابرات عبلة وهم يلقنون له سيناريو الانسحاب بدعوى الاحتجاج.
نعم… هذه هي الصورة.
وعلينا أن نتعلم: من اعتاد الوقوف في الطوابير من أجل شكارة حليب أن نجعله يقف من أجلها و من اعتاد الفول نقدّم له الفول، ومن اعتاد الأرز نقدّم له الأرز. و نعتذر لأن قطاراتنا لا تمشي بالفحم الحجري و أن فصل الناموس لم يأتِ بعد!
ليست نهاية العالم إن خسرنا كأساً.
فنحن بنينا ملاعب عالمية سنستمتع بمشاهدة المباريات من مدرجاتها ، نلعب على ارضيتها . ملاعب صمدت أرضياتها أمام أمطار الخير، وكأن الله يجازي النيات الحسنة و العمل الصالح.
خسرنا الكأس، لكننا ربحنا احترام العالم: تنظيماً، أمناً، جودة، ووفرة في كل شيء… من أكل الشوارع و المطاعم الشعبية إلى أرقى الأطباق.
لم نفز بالكأس، لكننا فزنا باعتراف العالم بقدرتنا على البناء السريع والمتقن، اعتراف بالعبقرية المغربية ، اعتراف يليق بأن تكتب سرعة انجازاتنا في موسوعة گِينيس ،
وصلت رسالتنا حتى لمن في قلوبهم مرض: نحن أمة اثني عشر قرناً، نكتب فصولاً جديدة من ذهب، ونثبت مرة أخرى أن المستحيل ليس مغربياً.
أما الظالمون و على رأسهم حكام “العالم الآخر” فالله يتولاهم .

