يناير 14, 2026

عقود من الوعود… ومغاربة العالم ما يزالون ينتظرون شراكة حقيقية

على سبيل المثال، و على مدى أكثر من ثلاثين سنة، لم تنقطع زيارات الوزراء والمسؤولين المغاربة إلى الجالية المغربية في الولايات المتحدة. تغيّرت الحكومات وتعاقب الوزراء، لكن الخطاب ظل ثابتًا: الجالية رافعة للاقتصاد الوطني والاستثمار هو المستقبل

ورغم هذا الإجماع الرسمي، بقيت العلاقة بين الجالية والمؤسسات علاقة غير متوازنة؛ الدولة تطلب و نستجيب، بينما لا يحصل أبناء الجالية إلا على الحد الأدنى من الاهتمام العملي.

خطاب رسمي يتكرر… وواقع لا يتحرك

في كل لقاء، كانت كلمة الاستثمار تتصدر مداخلات المسؤولين، وكأنها الوصفة السحرية لربط الجالية بالوطن.

لكن في المقابل، كانت مطالب الجالية بسيطة ومباشرة، لا تتجاوز:

 تخفيض أسعار تذاكر السفر نحو المغرب، خصوصًا للعائلات الكثيرة العدد.

 مجانية نقل الجثامين .

أصوات تنادي بتمثيلية في البرلمان و كأن وجود بضع أشخاص بقبة البرلمان سيحل كل المشاكل .

لم تكن الجالية تبحث عن امتيازات أو معاملة خاصة، بل عن تسهيلات غالبتها إنسانية تعزز ارتباطها بالوطن وتخفف عنها أعباء السفر.

ومع ذلك، ظلت هذه المطالب البسيطة خارج دائرة الاهتمام.

دعم وطني لا سياسي

لم يكن أبناء الجالية يصفقون للوزراء بدافع الانتماء الحزبي أو الولاء السياسي، بل بدافع حب الوطن ورغبتهم في المساهمة في تنميته.

كانوا ينتظرون أن تتحول الوعود إلى إجراءات ملموسة، وأن يُنظر إليهم كشركاء حقيقيين، لا مجرد جمهور يتفرج و يُستدعى لتأثيث المشهد عند الحاجة.

لماذا فشلت أغلب الاستثمارات؟

محاولات الاستثمار التي قامت بها الجالية داخل المغرب لم تنجح إلا في حالات قليلة.

وتعود أسباب الفشل إلى عاملين رئيسيين:

1) عوامل موضوعية

 تعقيدات إدارية مزمنة، رغم بعض الانفراج مؤخراً.

 غياب المواكبة للمستثمر الصغير رغم بعض المحاولات المحتشمة الآن .

 ضعف الحماية القانونية رغم جودة النصوص القانونية .

 غياب الشفافية و المنافسة الحرة و الشريفة الكثير من القطاعات .

2) عوامل ذاتية

 بُعد الجالية عن المغرب.

 صعوبة تسيير المشاريع بشكل يومي عن بعد أو عن قرب حتى. 

 الثقة المفرطة في وسطاء غير مؤهلين و الأخطر يفتقدون للنزاهة .

هذه العوامل مجتمعة جعلت الاستثمار الإنتاجي مغامرة محفوفة بالمخاطر.

العقار… الملاذ الأخير

أمام فشل المشاريع الإنتاجية، اتجه أغلب أفراد الجالية إلى الاستثمار في العقار، خصوصًا شراء شقق في المناطق السياحية.

كان هذا القطاع يُنظر إليه باعتباره الأكثر أمانًا واستقرارًا، لكنه سرعان ما كشف عن مشاكله الخاصة.

نقابات الملاك… من أداة تمثيلية و تنظيم إلى مصدر نفور

تحولت نقابات الملاك (السانديك) في كثير من الحالات إلى عائق حقيقي أمام أبناء الجالية، بدل أن تكون إطارًا لتنظيم السكن المشترك كما هو مسطر في القانون 18.00.

 استغلال بُعد الملاك عن المغرب

 فرض اشتراكات غير مبررة

 غياب الشفافية في التسيير

  • عقد جموع عامة دون إشراك الملاك المقيمين بالخارج
  • اتخاذ قرارات تمس ممتلكاتهم دون علمهم

هذه الممارسات دفعت الكثيرين إلى إعادة التفكير في الاستثمار داخل المغرب، بل ونفّرت فئة واسعة من فكرة شراء العقار أصلًا.

السانديك… من ممثل للملاك محافظًا على الأملاك – الأجزاء المشتركة- حارسا عليها في آخر المطاف  ( قانون 18.00 )إلى مصدر المتاعب

المفترض أن يكون السانديك حاميًا للأملاك ومسهّلًا لشؤون العقار، لكن الواقع في كثير من الحالات كان عكس ذلك.

وجد الملاك أنفسهم أمام أشخاص لا يهمهم سوى مصالحهم الخاصة، يتعاملون مع الملاك كـ بقرة حلوبتُدر المال دون حسيب أو رقيب.

 غياب الشفافية

 منع الاطلاع على الوثائق

 دفع الملاك نحو المحاكم

 استغلال ” تجار السانديك”المعرفة بدهاليز القضاء

 استغلال بُعد الجالية وارتفاع تكاليف التقاضي

 والأخطر: ضياع راحة البال

هذه ليست مجرد مشاكل فردية، بل اختلالات بنيوية تُضعف ثقة المستثمرين في القطاع برمته.

مفارقة مؤلمة… دولة تشجع وأشخاص يعرقلون

المفارقة أن الدولة تدعو أبناء الجالية إلى الاستثمار، وتطلق برامج تحفيزية، وتؤكد أن العقار قطاع استراتيجي.

لكن في المقابل، يقف أمام المستثمرين حاجز صغير في حجمه، كبير في تأثيره:

وكلاء نقابات يسيّرون الملكيات المشتركة بعقلية فردية، دون رقابة، ودون تكوين، ودون وعي بأنهم يعرقلون قطاعًا صناعيًا مهمًا.

إنها معادلة خطيرة:

دولة تخطط… وأشخاص ينسفون التخطيط بسلوكياتهم.

 الأثر الاقتصادي… أكبر مما يبدو

عندما ينفر مغاربة العالم من الاستثمار في العقار، فإن الخسارة لا تقتصر على بيع شقة أو اثنتين.

بل تتأثر:

 مداخيل الدولة من الضرائب

 قطاع البناء والإنعاش العقاري

 سوق الشغل المرتبط بالعقار

 الاقتصاد المحلي في المدن السياحية

 تحويلات الجالية، وهي ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني

بمعنى آخر:

السانديك غير المنظم و الفاسد لا يضر مالكًا واحدًا… بل يضر قطاعًا كاملاً.

الخلاصة

إذا كان المغرب يريد فعلاً أن يجعل من العقار رافعة اقتصادية قوية، وأن يجذب استثمارات الجالية، فلا بد من:

 إصلاح منظومة السانديك بإصلاح قانون 18.00 و تسهيل عملية التصويت السانديك عبر البريد أو الوسائل الحديثة 

 فرض الشفافية والمحاسبة و ذلك بإعطاء صلاحيات تنفيذية لعمال صاحب الجلالة في إطار اختصاصاتهم و ذلك للتخفيف على المحاكم

 تكوين المسيرين لكي يفهموا أن الوكيل ليس حاكمًا تنفيذيًا كلمته لا ترد.

 حماية الملاك، خصوصًا المقيمين بالخارج

فالعقار قطاع صناعي ضخم، ولا يمكن أن يُترك رهينة بين أيدي من يستهويهم الاغتناء بطرق غير مشروعة، ثم تُخلى ذمتهم من أي محاسبة بمجرد تقديم تقارير مالية مخدومة، وفواتير لا تستوفي في كثير من الأحيان الحد الأدنى من القانونية إن لم نقل صورية.

القانون 18.00 رغم حداثته، لكن تحيينه وتنزيله وطرق تطبيقه يجب أن تراعي واقعًا بسيطًا وواضحًا: هناك مغاربة يحملون الوطن في قلوبهم أينما وجدوا، لكن حقوقهم تضيع فقط لأنهم بعيدون جغرافيًا.

ورغم كل الجهود التي يبذلها السادة رؤساء المحاكم والسادة وكلاء جلالة الملك، فإن عامل الوقت يظل سيفًا مسلطًا على أبناء الجالية، خصوصًا في ظل وجود تجار السانديك الذين يعرفون المداخل والمخارج والثغرات، ويجيدون استغلال الزمن القضائي لصالحهم.

وما لم تُعالج هذه الحلقة الضعيفة، ستظل الجالية المغربية في أمريكا وفي كل أنحاء العالم تنتظر شراكة حقيقية تُطلق الاستثمار عمومًا، والاستثمار العقاري خصوصًا، نحو آفاق أرحب… لأن مغاربة العالم أغنياء بأموالهم وخبراتهم.

و الكرة عندكم و عندكل من يهمه الأمر……