يناير 14, 2026

جبل طارق وجبل موسى في مرآة تمثال سبتة

هرقل… ذلك الذي شقّ الجبل ولم يكن يعلم أنه يشقّ مصير قارتين

لا يمكن أن تزور مدينة سبتة دون أن يستوقفك العمل الفني لمبدعه خينيس سيرّان بايث، ذلك النصب البرونزي الذي يشقّ الفضاء بين البحر والسماء. هرقل، بذراعين مفتوحتين على اتساعهما، يضغط على عمودين يبدوان كأنهما يحملان تاريخاً كاملاً فوق كتفيهما، تاريخ فتق قارتين. ليس مجرد تمثال، بل معلمة لأسطورة تذكّر العابر بأن هذه الأرض كانت يوماً أرضا واحدة و كانت نهاية العالم القديم، ومسرحاً لأسطورة لا تزال تتردّد عبر القرون… وربما تضحك في سرّها من مفارقات التاريخ.

وقفنا أمام هذا العمل نحاول استنطاقه:

ماذا يقول؟

ماذا يخفي؟

ولماذا اختارت سبتة أن تضع هرقل بالذات وسط إحدى ساحاتها ؟

التمثال لا يتكلم، و لا يبتسم. نظراته تسخر من زمنٍ ظنّ فيه البشر أن الأساطير انتهت، بينما هم يعيشون داخلها دون أن يشعروا. فها هو البطل الذي جاء من الشرق، مرّ عبر العرائش بحثاً عن التفاح الذهبي، نام في مغارة طنجة، ثم شقّ الجبل فظهر جبل طارق وجبل موسى. هنا، في هذه النقطة بالذات، يلتقي الأسطوري بالجغرافي، ويمتزج الخيال بالتاريخ، وتصبح سبتة و جوارها شهودًا على عبور حضارات لا تُعدّ… وعبور أحلام لا تُحصى.

إنه ليس تمثالاً لعضلات هرقل، بل تمثال لذاكرة المتوسط. ذاكرة تعرف جيداً أن الجغرافيا ليست بريئة، وأن الأساطير ليست مجرد حكايات قبل النوم.

حين انشقّ الجبل: ولادة المضيق وولادة المفارقة

لا يمكن أن يقترب المرء من مضيق جبل طارق دون أن يشعر بأن المكان يحمل ذاكرة أعمق من الجغرافيا. هنا، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط ببحر الظلمات، وحيث تتواجه إفريقيا وأوروبا عبر مسافة لا تتجاوز أربعة عشر كيلومتراً، وُلدت واحدة من أعظم الأساطير التي صاغت خيال البحر المتوسط: أسطورة هرقل وفتح الجبل.

لكن قبل أن يصبح هرقل مهندساً جيوسياسياً دون أن يدري، كان رجلاً ارتكب خطيئة كبرى. تحت تأثير جنون أصابته به الإلهة هيرا، قتل زوجته ميغارا وأطفاله. وللتكفير عن ذنبه، فُرضت عليه سلسلة من المهام المستحيلة، كان من بينها المهمة الحادية عشرة: جلب التفاح الذهبي من حديقة الهيسبيريديس.

وضع الجغرافيون الإغريق هذه الحديقة في أقصى الغرب، في ليكسوس قرب العرائش. وهكذا، قادت رحلة التكفير هرقل إلى المغرب، إلى أرضٍ كانت بالنسبة للإغريق نهاية العالم المعروف… وبداية الأسطورة.

من ليكسوس إلى مغارة طنجة: الطريق إلى الضربة الكبرى

بعد أن واجه التنين لادون وانتزع التفاح الذهبي، اتجه هرقل شمالاً. وصل إلى طنجة، ودخل المغارة التي ستُعرف لاحقاً باسمه. هناك، استراح البطل قبل أن يواصل رحلته نحو الغرب، نحو النقطة التي يلتقي فيها البحران.

كانت المغارة محطة بين عالمين: عالم الأسطورة الذي جاء منه، وعالم الجغرافيا الذي كان على وشك أن يعيد تشكيله. وربما كان هرقل يظن أنه في مهمة بسيطة: شجرة، تفاح، تنين… ثم العودة. لم يكن يعلم أن الخطوة التالية ستغيّر وجه الأرض.

الضربة التي صنعت الجغرافيا… وصنعت المشكلة

خرج هرقل من المغارة ليجد أمامه جبلاً ضخماً يقف كجدار بين البحرين. بالنسبة للإغريق، كان هذا الجبل هو الحدّ الأخير للعالم. بالنسبة لهرقل، كان مجرد عقبة أخرى.

شدّ عضلاته، رفع ذراعيه، وضرب الجبل ضربة هائلة شقّته إلى نصفين. اهتزّت الأرض، وتطايرت الصخور، واندفع الماء من الجانبين. وفي تلك اللحظة، انفتح الممر بين البحرين، وولد المضيق الذي سيحمل لاحقاً اسم مضيق جبل طارق.

ومن شقّ الجبل وُلد جبلان:

جبل طارق في الشمال، وجبل موسى في الجنوب.

توأمان خرجا من بيضة واحدة، لكن القدر كان له رأي آخر.

توأمان… لكن أحدهما صار أميراً والآخر بقي ناسكاً

في الشمال، يرتفع جبل طارق كأخٍ ثريّ، يعانق السماء بجرأته، تحيط به القواعد البحرية، والمال، والجاه، والسلطة. صخرة تحوّلت إلى مركز عالمي، تتقاطع عندها المصالح الكبرى، وتُدار من فوقها حركة الملاحة بين محيط وبحر.

وفي الجنوب، يقف جبل موسى، الأخ الهادئ، الجميل، الذي لم تمنحه الأقدار نفس الحظ، لكنه احتفظ بما هو أثمن: حب الناس، وهدوء الطبيعة، وعمق التاريخ. جبل لا يطلب شيئاً، ولا يتباهى بشيء، لكنه يملك تلك الهيبة الصامتة التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى.

وبين الأخ الغني والأخ المتواضع الذي ارتضى أن يكون حارساً لجوار أخيه، يبقى المضيق نفسه شاهداً على أن القيمة ليست في الارتفاع، بل في الحكاية التي يحملها كل جبل.

التهكّم الأكبر: هرقل لم يكن يعلم…

لم يكن هرقل، وهو يشقّ الجبل بضربة واحدة، يدرك أنه لا يفتح ممراً للبحرين فقط، بل يرسم أيضاً خطاً فاصلاً بين شمالٍ سيغدو غنياً وقوياً، وجنوبٍ سيحمل عبء الفقر والبحث الأبدي عن فرصة للحياة.

لم يكن يعلم أن المضيق الذي وُلد من قوته سيصبح، بعد آلاف السنين، مقبرة مائية يبتلع فيها البحر شبابًا لا يريدون سوى حرية، وكرامة، ومستقبلاً يشبه ما يرونه على الضفة الأخرى.

لقد صنع هرقل مضيقاً ليلتقي البحران، لكن الزمن صنع منه حدّاً قاسياً يفصل بين عالمين:

عالمٌ يملك كل شيء، وعالمٌ لا يملك سوى الأمل… وأحياناً، الأمل وحده لا يكفي للعبور.

لم يكن من نَسَجَ أسطورة شقّ الجبل يتخيّل أن الضربة التي صُوِّرت كفتحٍ عظيم ستتحوّل، بعد آلاف السنين، إلى جرح مفتوح في قلب البحر. لم يكن يعلم أن المضيق الذي احتُفي به كبوابة بين عالمين سيغدو مقبرة صامتة، يبتلع أبناء الجنوب الذين لم يطلبوا سوى عبور بسيط نحو حياة أكثر عدلاً.

هكذا، بينما تواصل الأسطورة تمجيد قوة ابن الإله زيوس و الأم البشرية ألكمينا، يواصل الواقع تذكيرنا بأن الجغرافيا ليست دائماً نعمة، وأن البحار التي فُتحت بضربة بطل قد تُغلق في وجه بشر يبحثون فقط عن فرصة للعيش.