|
|
المواطن المغربي... بين الخرافة والحقيقة العلمية..؟ توفيقي بلعيد
إن الإدعاء بأننا نعيش ،جميعنا،في القرن الواحد والعشرين،قول يحمل في طياته مغالطة مبيتة أو جهلا فظيعا.ذلك أن الحقيقة ، التي لا يمكن أن ينكرها غير مكابر أو معاند أو جاهل،أو هما معا،تؤكد أن البشرية فوق كوكبنا هذا،التائه في فضاء الكون الرهيب،لا تعيش في نفس الفترة الزمنية،بل تعيش في عصور مختلفة،وإن كان ذلك يتم في توقيت واحد على مدار الأربع والعشرين ساعة،وتبعا لذلك لا تعيش في نفس المستوى الفكري (دون الحديث عن الزمن التكنولوجي والإلكتروني وما يرتبط بهما)...وإذا كان هذا الحكم يصح على ساكنة الأرض عامة،فإنه يصدق على بلدان العالم الثالث،التي تفصلها عن العالم الأول والثاني مئات القرون،وعلى بعضها البعض أيضا،إذ في دول العالم الثالث توجد تفاوتات نتيجة لسنوات من الكبح والاستغلال الاستعماري البشع لشعوب هذه البلدان،والذي لا يزال مستمرا بأشكال عدة للإبقاء على تخلف شعوب هذه المناطق،وهو ما انعكس على وضعها الاقتصادي والفكري المستكين إلى الخرافة،وهي الوضعية التي تنطبق،بهذا الشكل أو ذاك ،على بلد كالمغرب،الذي بدوره لا تعيش كل مناطقه في المرحلة التاريخية نفسها،يتجلى ذلك في الفوارق بين المركز والمحيط،كما يتجلى في التفاوتات التي يعرفها المركز نفسه،والمتمثلة في الفوارق الطبقية التي ازدادت استفحالا بين أناس في القمة وأناس في الحضيض،لكن الأخطر من كل هذه التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية التفاوت الحاصل على مستوى الأفكار والذهنيات،حيث يعيش البعض ،بعقله وقلبه في القرن الواحد والعشرين ويعيش البعض الآخر،بقلبه وعقله،وليس بالضرورة بمستواه المعاشي،في القرون الغابرة..أي أنه على المستوى الأول،المعيشي،نلمس بما لا يدع مجالا للشك وجود هذه الأزمنة بين هذا الجزء أو ذاك من أرجاء الوطن،وأن مسحا لهذه المناطق يدفعنا للقول ،دون خوف من أن نجانب الحقيقة، بتواجد عدة أزمنة بما يترتب على ذلك من فوارق هائلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والفكري (هذا الأخير هو ما يهمنا في هذه المقالة)،وينسحب هذا التفاوت،برغم وسائل الإعلام والاتصال،ليغطي المراكز الحضرية (الدار البيضاء،الرباط ،فاس...وغيرها من الحواضر) بفعل الهجرة من الأطراف نحو المركز،وما تحمله معها من رواسب،وبفعل تفشي الفقر والأمية،والتدني في الوعي حتى بين الشرائح المتعلمة، وهي عوامل تسهل التضارب في الفهم والتسيب في التأويل،وسهولة انتشار الإشاعة والتغليط والتصديق بما لا يكون... بهذه التفاوتات،الاقتصادية والاجتماعية والتي تمارس تأثيرها على العقلية و الفكر،يتم التعامل مع العالم المحيط بنا،سواء تعلق الأمر بطريقة تفكيك النص وتركيبه (سواء كان هذا النص دينيا أو وضعيا) ،أو تعلق الأمر بعملية الإنصات للخطاب أو للخبر،أو تعلق الأمر بالتعامل مع الصورة (ثابتة و متحركة وأمامنا الضجة التي أحيط بها فلم"ماروك")..وقد تثبتنا من مظاهر هذا التفاوت في الفهم والتأويل عندما لاحظنا كيف تتلقى كل شريحة اجتماعية،متفاوتة تعليميا،الخطاب الرسمي (بالمناسبات الوطنية أو الدينية..) وكيف تتلقى الخطاب الديني للجماعات وللأحزاب السياسية (وهو الفهم والتأويل الذي تفضحه الممارسة التي تتراوح بين العنف والمرونة،وبين الجدية والإستخفاف ) ،وكيف يتأثر هذا الفهم والتأويل بالأدوات المعرفية التي تمتلكها كل شريحة شريحة وكل فرد فرد..ونفس الشيء تثبتنا منه عندما قمنا بمقاربة فهم المواطن للصورة (ملصقات الفاتح من ماي،الملصقات السينمائية،وملصقات الإشهار...)،ولنأخذ على سبيل المثال الملصق الذي يصور الطبقة العاملة وهي تكسر أغلالها ،من خلال صورة معصمين وسلسلة مكسرة،وهو ما يعني لمجموعة من اليافعين ما رسب لديهم من أفلام أمريكية حول أسطورة شمشوم الجبار أو هرقل..وهو ما لم يفكر فيه ذلك الفنان النقابي الذي صمم الملصق..ويمكن أن نقيس على ذلك بالنسبة للكثير من الصور التي تتوارد على المتلقي المغربي... ) من بلبلة اثر إشاعة بأن خرابا ، شبيها بالخراب الذي 2006مناسبة ما أسلفناه هو ما عاشه وطننا في أواخر شهر ماي من هذه السنة ( شاهدته بعض الجز والشواطئ الأسيوية ،سيصيب الشواطئ وبعض المدن المغربية،إذ لم يكن المغرب كله،وكيف انتشرت الإشاعة انتشار النار في الهشيم...وهو ما يفرض طرح الأسئلة حول كيف استقبل المواطن المغربي، هذه الإشاعة ، بكل شرائحه الاجتماعية وبكل تفاوتاته على المستوى الفكري والتعليمي ؟ وبأي الأدوات تعامل مع هذه "النبوءة" من أجل فهمها وأخذ موقف واضح منها؟ وهل كان بمستطاع غير المتخصصين فهم حقيقة وخلفيات ما تم الترويج له؟ وهل قامت وسائل الإعلام السمعي منها والبصري ،انطلاقا من الحقائق العلمية،بتوعية المواطنين بما قيل وما تداولته الألسن عبر خريطة السمع الوطني..؟ وهل كان بمقدورها فعل ذلك..؟ لقد كشفت الإشاعة التي يجهل الكثيرون مصدرها أو حقيقتها العلمية عن الجهل والجهل المركب لدى الكثير من المغاربة،ولدى حتى الأجانب الذين وجدتهم هذه الإشاعة بالمغرب عند انتشارها،وهو ما كشف عن ضيق الفوارق العقلية بين الأميين والمتعلمين،وهو ما أشرنا له عندما تحدثنا عن الأزمنة ومنها الأزمنة المرتبطة بالتفكير والعقلية،والتي قد يتقاطع فيها إطار كبير بمواطن لم ينل من التعلم إلا قدرا يسيرا،توازيه اللامبالاة التي قُبلت بها الإشاعة من طرف شرائح واسعة من المواطنين البسطاء الذين ليس لديهم ما يخسرونه أمام الطوفان،وقد تمت ملاحظة ذلك في ممارستهم العادية لأعمالهم وعدم تزحزحهم عن مواقعهم وهو الذي يمكن أن يُفسر،أيضا بعجز هذه الشريحة الاجتماعية الفقير عن التزحزح أمام أي خطر لإمكانياتها الضعيفة سواء أكان هذا الخطر أنفلوانزة الطيور أو تسونامي...إلا أنه وبموازاة ذلك وأمام هول الإشاعة فإن المسؤولين ببلدنا،الذي لا أشك أن الكثيرين منهم صدقوا الإشاعة وهيئوا أسرهم للهروب منها،بقوا خارج القيام بالمبادرة وهو ما عكسته وسائل الإعلام السمعية البصرية التي اكتفت بما صدر من تصريح عن مديرية الأرصاد الجوية الوطنية، والذي ،في اعتقادي كان يتطلب أكثر من تطمين،إذ الأمر يحتاج إلى حملة للتوعية تُستغل لمواجهة فكر الخرافة والدجل،والنصب الفكري على المواطنين البسطاء... وقد كان من الواجب تسليط الضوء على الخلفية التي كانت وراء هذه الإشاعة التي سرت بين المغاربة،وبين الشعوب القريبة من المحيط الأطلسي، والتي تم ربطها لدى البعض بغضب الله، وربطها البعض الآخر بظاهرة سقوط المذنبات على الأرض،تلك التي تسببت منذ آلاف السنين في القضاء على جزء كبير من الحياة فوق كوكبنا هذا...وإذا ما حاولنا أن نبسط الظاهرة كما شرحها المختصون نجد أن الأمر يتعلق بمذنب يطلق عليه اختصارا P73 ، مليون كيلومتر) يوم 10 ،والذي قيل أنه مر "قرب"الأرض (بمسافة 1930ذاك الذي تم اكتشافه سنة ،وبالعودة إلى نشرت المرصد الأوروبي الجنوبي نجد بأنه في يوم 1979 كما تمت رؤيته،ودائما حسب المختصين،سنة 1947 ماي 25 تم التقاط صور للمذنب2006 ابريل 26الأربعاء P73/Scwassmann-Wachmann3 ( اسم مكتشفيه ارنولد شواسمان وأرنو أرتير واشمان)،وقد التقطت هذه الصور وهو يقذف الشظايا التي كانت تتفتت هي الأخرى إلى قطع صغيرة والتي ستصل إلى أقرب نقطة إلى يونيو لدا سيكون هناك الكثير من التدمير..اا وهم يقصدون 7 وستصل إلى أقرب نقطة نحو الشمس يوم 2006 ماي 11الأرض في التدمير الذي سيصيب المذنب...(وهناك تفاصيل كثيرة حول هذه الظاهرة يضيق عنها هذا الحيز وهي في متناول كل من زار الموقع http: //www.alkawn.net) هذا عن الحقيقة العلمية فماذا عن الإشاعة؟ هي "نبوءة" كما قلنا سابقا أطلقها طيار فرنسي سابق اسمه ايريك جوليان ، مهووس بالكائنات الفضائية، تحدث فيها عن خطر تسونامي جديد يشمل عددا من البلدان من ضمنها المغرب... إن ما أماطت عنه اللثام هذه الإشاعة هو عدم الفصل بين الظواهر الطبيعية وما يحوم حولها من خرافة ونصب ايديولوجي.كما كشفت عن العجز الذي تعرفه وسائل الإعلام والصحافة عامة في عدم قدرتها على ربط التواصل بالعلماء وتوجيه القراء والمستمعين والمشاهدين إلى مصادر الخبر. كما أبانت أن التصديق بالخرافة لا يهتم بمصدر"الفتوى" التي كانت هذه المرة من جهة كافرة...
كاتب مغربي
|
|