|
|
الأمازيغية والنظرة القبلية الضيقة /توفيقي بلعيد
48رواية ذاكرة الجراح /ص ) الموضوع الذي نتناوله اليوم يمتزج فيه الموضوعي بالذاتي، وتتداخل عناصره التي يتقاطع فيها التاريخي بالجغرافي لكن وأيضا يمتزج فيه سوء الظن بالنوايا الحسنة، وهو بهذا يصبح حقلا مليئا بالألغام، السير فيه يشكل خطورة على كل من يحاول أن يتناوله بتجرد، وان كان التجرد مسألة صعبة في مثل هذه المواضيع التي لا تنفصل عن ثدي الأم وحليبها الأول وعن لكنتها، أكانت أمازيغية أو »عربية« دارجة، كما هي ملتصقة برائحة جسدها
إلا أنه وبالنسبة لكل المدافعين على الحرية بصفة عامة وعلى حقوق الناس في التمتع بخيراتهم المادية والمعنوية، والتي من الطبيعي أن تكون مشاعا، بالتساوي، بين كل المواطنين داخل الوطن الواحد وبين البشرية جمعاء فوق كوكبنا هذا الذي تتحكم فيه قوى الطغيان في كل مكان (محليا وعالميا)، بالنسبة لهؤلاء المؤمنين، المناضلين من أجل غد أفضل للإنسان (المواطنون خاصة) لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجدوا أنفسهم في تناقض مع حق الآخرين في حرية الاعتقاد في شموليته و في حرية التعبير باللسان الذي يرتضونه أو حتى بالجس
وهي الحصانة الوحيدة التي يتمتع بها هؤلاء، في وجه التشكيك والمشككين، وهم يناقشون قضايا الدين والهوية (اللغة في صلبها) باعتبارهما من القضايا الملغمة وفي ما يخص القضية الأمازيغية، والتي لا يمكن حصرها في مشكل لغوي فقط أو في مسألة تتعلق بنوع الحرف الذي يجب الكتابة به (ومسألة اختيار الحرف سأعود لها فيما بعد)، ذلك أن القضية الأمازيغية تتجاوز الناطقين باللسان الأمازيغي (بكل تلاوينه : وهي قضية أخرى في الطريق الملغوم) إلى مناحي الحياة المتشعبة التي تمتد لتشمل جميع المغاربة، تماما كما هو الحال بالنسبة إلى القضايا العربية التي لا يمكن حصرها في الناطقين باللسان العربي، إذ تمتد لتشمل نواحي من حياة كل المغاربة حتى الذين لا يتحدثونها (مع سؤال حول عدد الناطقين بها بشكل جيد).
باعتبار أن التركيبة التي تشكلت تاريخيا من الصعب العمل على تفكيكها فوقيا أو إراديا إلا باستعمال العنف والإرهاب، الذي أثبتت التجربة فشله في الكثير من الأقطار، وهو ما نحاول، نحن (les métisses) مزدوجي العرق والانتماء (إذ أمكن إطلاق هذه التسمية تجاوزا في المغرب) "لشطري" مكونات المعادلة الوطنية، من خلال النقاش والفضح، تجنيب شعبنا حروب التطرف كيفما كانت طبيعة هذا التطرف ومصدره
وانطلاقا من زاوية إيماننا الراسخ بالمشترك العميق بين كل المغاربة، ومن كون أن هناك العديد من القيم المعنوية والرمزية (إلى جانب المادية أيضا والتي تمثل واحدة من خلفية الصراع) التي هي بالضرورة أو يجب أن تكون بالضرورة مشاعا بينهم
فإننا نعتبر أن اللغة (ومعها الدين والاعتقاد بكل صنوفه) مشترك غير قابل لا للتفويت ولا للخوصصة، وأنه بالقدر الذي يقف فيه المرء ضد الإنابة، من خلال حزب ديني أو حتى من خلال رجل دين،عن المؤمنين في علاقتهم مع الله، باعتبار الإيمان شأنا فرديا وأي تنظيم للحقل الديني يجب أن يحظى بالإجماع وبالشرعية المنبثقة عن مؤسسات معترف بها شعبيا ودستوريا،فإن اللغة هي الأخرى (عربية أو أمازيغية أو أي لغة أخرى مستقبلا) لا يمكن تصور الإنابة فيها إلا من خلال مؤسسات شرعية ودستورية تحظى بدعم شعبي،باعتبارها مشاعا وملكية لكل المغاربة، الذين تقاطعت وتداخلت دماؤهم وأعراقهم
وهو ما يجعلنا نطرح سؤالا حول من أين يمتلك هذا الفرد أو تلك الجماعة الشرعية لتأسيس حزب سياسي باسم الأمازيغ، كما طرحنا سابقا السؤال حول شرعية البعض لإنشاء أحزاب باسم الإسلام من زاوية احتكاره؟ ألا يعتبر حشر القضية في حزب نخبوي هو إقصاء للآخرين وبذر بذور التجزئة في صفوف المناصرين للقضية أنفسهم، والزج بالقضية في مضاربات حزبية لن تقف عند حزب واحد ؟ وهو ما سيفرض علينا أسئلة عن من هو المواطن المسموح له بالانتماء لهذا الحزب ؟ وإذا كان الجواب كل الأمازيغ سنسأل من هو الأمازيغي في نظر مؤسسي الحزبية اللغوية بعد الحزبية الدينية، على وزن من هو المسلم ومن هو اليهودي ومن هو المسيحي، مع إيماننا بأن اللغة،ومن ضمنها اللغة الأمازيغية، ليست عنصرية أو هذا ما يجب العمل على تجنبه وبكل صرامة ؟
وإذا كان الجواب أن باب الحزب الأمازيغي مفتوح في وجه كل المغاربة المؤمنين بالقضية، سنسأل ولماذا حزب أمازيغي والمؤمنون بالقضية موجودون في الكثير من الإطارات الحزبية الأخرى ناهيك عن المنظمات؟ وإذا قيل لنا، جوابا عن من هو الأمازيغي؟ بأن الأمازيغي هو من يتحدث الأمازيغية ؟ سنتساءل عن مصير العديد من المغاربة، ونحن نعلم أن هناك من ينحدر من الأطلس أو من الريف من أم أو أب ناطق بالأمازيغية أو من منهما معا ولا يفقه لغة أو لهجة أحد أو كلا الأبويين والعكس قد يكون صحيحا .
إلى جانب مجموعة من الأجانب الذين يتقنون الأمازيغية ؟ أم أننا سنلجأ لتحديد الأمازيغي بمسقط الرأس أم بالأم ؟ إن هناك تخوفا، يتقاسمه الكثيرون، من أن يتم إنتاج زعماء قَبَلِيُّين (على وزن بعض زعماء الحركة الوطنية) للركوب على القضية الأمازيغية في وقت لا خبر للمواطنين المغاربة، العالقين بقمم الجبال الناطقين بالأمازيغية أو العربية، بهذه النخبة التي تقرر في مصيرهم، تماما كما قررت نخب سابقة في مصير المغاربة ليضيِّع المغرب ما يقارب نصف قرن في الصراعات التي حصدت الضحايا من ذوي النيات الحسنة، والتي كان من نتائجها هذه الاختلالات التي يصارع المغرب لتجاوزها ومن هذه القرارات النخبوية اختيار حرف تيفناغ للتعلم والتواصل.
والذي سيضيع على المغاربة، الذين أنفقوا القرون ولم يتعلموا جميعهم بالحرف العربي، قرنا أو يزيد لتعلم حرف تيفناغ الذي اختارته النخبة، بدل الاستفادة من الحرف العربي بدون تشنج أو تسرع،حتى ولو بصفة انتقالية، أو حتى الاستفادة من الحرف اللاتيني الذي استأنس به عدد لا بأس به من المغاربة (الناطقون وغير الناطقين بالأمازيغية)، وأعتقد أن اختيار حرف تيفناغ من طرف نخبة (أشك في إتقانهم كلهم له واستعمالهم إياه في معاملاتهم) يشبه اختيار الهيروغليفية بالنسبة لدعاة الفرعونية في مصر.
وفي اعتقادي فإن قطع الطريق عن أي مستغل للقضية الأمازيغية يتطلب جهود كل المغاربة لإحقاق الأمازيغية دستوريا وتربويا وفنيا، باعتبارها مكونا من مكوناتنا كمغاربة امتزجت أعراقهم وتعرب منهم من كان أمازيغيا وتمزغ منهم من كان عربيا واعتبار الأمازيغية قضية وطنية، أي قضية كل المغاربة وليس قبيلة أو شطرا منهم، هو السبيل الوحيد لإحباط كل المحاولات التي ذهب بعضها، بكل تطرفه، للاستنجاد بالخبرة الصهيونية لرمي العرب خارج المغرب،كما فعلت الحركة الصهيونية بالشعب الفلسطيني، وبشر البعض بنهاية العروبة والإسلام من المغرب، ولكأن المشكل بين العربية الأمازيغية أو بين العرب الأمازيغ (الشعب الواحد).
وهو ما يرمي بظلال من الشك حول بعض الجمعيات التي تحاول أن تتأسس على أسس دينية(لغوية وبحمولة في حاجة لتمحيص في هذا الظرف التاريخي بالذات ولا يسعنا في الأخير إلا القول بأن الأمازيغية لن تبنى بفكر عنصري ولا من خلال الأحقاد الدفينة والنظرة القبلية الضيقة، لأن أول من سيتأذى من هذا التوظيف العنصري هم الأمازيغ أنفسهم ومعهم كل المغاربة الذين يتعايشون في سلام خارج النص الذي تحاول نخبة من المغاربة كتابته في غيبة من المعنيين الحقيقيين بالأمر .
كاتب مغربي
|
|