You need Java to see this applet.
 

المواطن المغربي بين الخرافة و الحققيقة العلمية
الأمازيغية و النظرة القبلية الضيقة
المواطن بين النص و الصورة
 
 
                 المواطن.. بين النص والصورة..؟
                                                                   توفيقي بلعيد

إن الشعوب،كل الشعوب تقريبا،تعيش خارج النص،باستثناء تلك التي ساهمت في صياغته بطريقة واعية،فكم هي الشعوب التي كتبت نصها بوعي وحرية؟ إذ يمكن
لهذا الشعب أو ذاك أن يساهم في أحداث تاريخية كبرى،ومع ذلك لن يكون طرفا في كتابة النص،بقدرما تكون مساهمته في تلك الأحداث مادة لنص تاريخي يكتبه
الآخرون حسب هواهم أو بحسب الزاوية التي ينظرون منها للأحداث،من أجل أن تترتب عن هذه الكتابة حقوقا وحدودا يتضمنها ذلك النص الذي ستضفى عليه
القدسية أكثر من تلك التي يتمتع بها الشهداء...
وقد شهد التاريخ، ولأكثر من لا يمكن أن يحصى من المرات، كيف تضيع حقوق الذين ساهموا في صنع الأحداث من موقع القيادة فما بالك من ساهم فيها من موقع
"الكومبارس"..وكيف أن من يسمون بالزعماء، الذين كانوا يخططون للصراع باتجاه الهدف الذي يحافظ على مكتسباتهم أو يضع مصالحهم،في السلطة والجاه
والثروة،في المرتبة الأولى،هم الذين استفادوا،فعلا،لأنهم هم الذين سهروا على كتابة النص بالمفهوم العريض لهذا النص...
ذلك أن لا أحدا يحرر أحدا،لأن من يتم تحريره من طرف الغير يتم استعباده بشكل جديد،الوحيد الذي يتمتع بحريته،لأنه يستحقها،هو ذاك الذي قاتل وصارع بنفسه
وبشكل واع لينالها،لأنه في هذه الحالة سيملك سلطة كتابة تاريخه وكتابة نصه المقدس...

في المغرب المستقل ،لازالت كتابة النص مستمرة،فالذين ساهموا في التخطيط للأحداث وقيادتها يصرون،حتى بعد مضي كل هذه السنوات،على أن يبقوا على رأس
هذه الأحداث،عن حق أو عن باطل،أو إن شئتم وبأصح عبارة أن يكونوا في المساحة المضيئة التي تمكنهم من الاستفادة أكثر من عملية إعادة كتابة النص وبالتالي
الحرص على ترسيخ شرعية وأحقية كل المكاسب المادية والمعنوية التي تم قطفها أو تلك التي لازالت معلقة في كرمة التاريخ....لهذا السبب يمكن فهم لماذا يسارع
هؤلاء أو أولائك لتأسيس مؤسسات تنتج نصوصا من وجهة نظرهم...
وإذ كان من الطبيعي ألا يكون الحديث منذ قرن مثلا منصبا إلا على النص ،فإن ذلك لم يعد مقبولا الآن،إذ لابد من تسليط الضوء على الصورة وإيلائها الاهتمام الذي
تستحقه، لأن الذين عاشوا خارج النص عاشوا أيضا خارج الصورة،باستثناء صورهم الشخصية التي تتطلبها وثائقهم الرسمية أو صورهم العائلية أثناء المناسبات...
وبالعودة إلى الثلاثين سنة التي مضت، أو الأربعين ،لم تكن الجماهير تدخل الصورة العمومية الرسمية إلا خلال مرور المواكب الرسمية عندما يتم إحضارها أو تحضر
تلقائيا لتزين الأرصفة بالأعلام والهتاف...تسجل الكاميرا بما لا يدع مجالا للشك،أن الجموع كانت فرحة بهذه المشاركة وبدخولها الصورة من هذه النافذة
وبالخصوص دخولها مجال الصورة المتحركة....
اليوم يتعدد الدخول إلى الصورة معلنا عن التغيير الذي يحدث بوطننا العزيز...الحرية التي يتسع هامشها يوما عن يوم،بفعل النضال والتوافق وما يشهده العالم من
تحول،هذا الهامش الذي يضيق أحيانا،على البعض لأمد قد يقصر وقد يطول،جعل المنافذ المؤدية إلى داخل الصورة تتعدد ولا ينحصرالدور في الواقفين على الرصيف /
الهامش...
،ففي هذه المحطة التي ساهمت فيها الجماهير بصنع حدث كبير جدا،حيث تأكدت 1975إن أكبر دخول إلى الصورة،وبشكل خرافي،سجله حدث المسيرة الخضراء سنة
القدرة الهائلة لهؤلاء البسطاء عندما يصدقون ويؤمنون بفكرة من الأفكار،وبدون الدخول في التفاصيل،فإنه يمكن القول بأن أكبر اقتحام لمساحة الصورة(الثابتة
والمتحركة) تم في هذه الفترة...
لقد دخلت الجماهير قبل ذلك الصورة ،وهي تذرع الشوارع مطالبة بالاستقلال ويسقط الشهداء هنا وهناك،لكن تلك الصورة لم تتم مداولتها إلا في غرف مغلقة وعندما
تم الإفراج عنها كان مقص الرقيب قد شذبها من الجثث والدماء ومن كل ما يمكن أن يدينه في محكمة التاريخ...وهو ما حرم الشعب من أن يتملى،من خلال فعل
المشاهدة،نفسه من خلال تأمل وجوه أبطاله وشهدائه.وللمشاهدة أهميتها،تلك الأهمية التي تجعلنا نتفحص ذواتنا لنكتشف قدراتنا وعيوبنا أمام المرآة...
وإذا ما تعقبنا مناسبات دخول الجموع أو الأفراد إلى فضاء الصورة سنجد أن ذلك أصبح،وبفعل التوافقات، يتم من خلال تغطية المؤتمرات الحزبية (صورة القيادات
والكومبارس)،تغطية تظاهرات الفاتح من ماي...وسيتسع فضاء الصورة ليشمل ،خارج ما هو سياسي،الكائن والوضع الاجتماعي عبر تغطية ما يعتبر أحداثا
عابرة،وها كذا ستنتظر قرية من القرى آلاف السنين لتظهر على الشاشة الصغيرة بعد أن وصلها الماء والكهرباء (كانت هناك تغطية لشخصية رسمية تمثل الحكومة)
،ونفس الشيء حدث لحي شعبي بعد انهيار أحد الدور العتيقة وتسبب في ضحايا...في كل هذه المناسبات ترى الناس يتسابقون لدخول الصورة،وقد لعبت البرامج
التلفزيونية دورا مهما في فتح المجال للكثيرين من أجل ولوج فضاء الصورة (دون أن ننكر أن المغيبين أكثر بالأضعاف من الوالجين)...لكنني لست عن هذا الدخول
ابغي التركيز،فالدخول للصورة الذي أعنيه هو ذاك الذي تترتب عنه كتابة أخرى للنص،ذاك النص الذي يضمن حقوقا وامتيازات،كالنص الدستوري والتشريعات..وأي
نص تترتب عنه حقوق وواجبات...
وقد شكلت لحظة نقل جلسات الاستماع لضحايا سنوات الرصاص،التي أشرفت عليها هيئة الإنصاف والمصالحة،أقوى وأهم اللحظات التي دخل فيها الضحايا المباشرين
إلى فضاء الصورة،ومن خلالهم الضحايا غير المباشرين،والتي جعلت الضحايا عموما،ومنهم الكثير من المشاهدين،يعودون إلى ذواتهم من غياهب الصمت والتهميش
والنسيان،ليحتلوا،بالرغم من كل الاحتياطات المتخذة،فضاء الصورة للمساهمة في كتابة النص.. وأعتقد أنها من الفرص النادرة،ببلدنا والعالم العربي الإسلامي،التي تم
فيها احتلال الصورة من طرف أناس حاولوا،فيما مضى، كتابة نص مغاير لما كان سائدا.وبهذا تكون الصورة مرة أخرى مساهمة في كتابة نص جديد قد يكون
توصيات الهيئة وقد يكون التقرير الأخير...إن التقرير النهائي،والتوصيات المرفقة به،لهيئة الإنصاف والمصالحة يمكن اعتباره نصا متقدما عن كل النصوص
المتوافق حولها بين أطراف معادلة الصراع، إنه النص الذي كتبه فريق مهم من الضحايا وبشكل واع...
منذ تنصيب حكومة التناوب التوافقي برئاسة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي،والمساهمة في كتابة النص مستمرة،سواء من خلال كتابات الذاكرة،التي انطلق بعضها
حتى قبل هذا التاريخ،أو من خلال الصحافة المستقلة التي حملت على كاهلها التمرد على الصمت وولوج المناطق المحرمة...صحيح أن عملية التمرد على الصمت
شهدتها كل المراحل التي عبرها المناضلون منذ الخمسين سنة،لكنها الآن تمر داخل علائق أخرى لا يدفع فيها الكثيرون الثمن الباهظ الذي كان يُدفع خلال الستينيات
والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي،ومع ذلك هناك أثمنة تُدفع....
تتحرك الأطراف من أجل إعادة كتابة النص،وهذه المرة يتعلق الأمر بالنص الدستوري كضامن 2007اليوم ونحن على بعد الاستحقاقات الانتخابية القادمة سنة
للحقوق وراسم للحدود،فهل سيفسح المجال للمواطنين من أجل المساهمة في كتابة هذا النص،أم أن الأمر سيترك للزعماء الذين لهم رؤية مخالفة للكتابة..؟ إنه سؤال
مطروح والجواب عنه يتطلب إطارات أخرى يتم من خلالها تمثيل الجماهير،أرى صادقا أن لا يبقى الأمر منحصرا في الأحزاب في وقت تشهد فيه الساحة نهوضا كبيرا
للمجتمع المدني من خلال جمعياته المحلية والوطنية...

     كاتب مغربي